Sunday, August 12, 2007

حديث طاولة الفتاة الشتوية


حاولت كثيراً أن أصف تلك الزاوية التى تنظر منها عيناها .. غريب هذا .. فعيناها تنظر من كل الزوايا لتحاصر المقهى بكل أركانه دون قصد منها .. هى فتاة يكاد عقدها الثالث أن ينتصف ..كانت تأتى بانتظام على مدار شهور العام .. لقاء واحد كل شهر تقريباً بينها و بين شخص ما دائماً ما تأتى قبله بساعة تقريباً فى منتصف النهار .. تطلب قهوتها .. بن وسط سادة عالريحة .. هكذا تشير لى فأمرر لها لحنها المفضل الصاخب الذى يصاحب صوت فيروز العذب .. كانت بعيناها اللتان تحسبهما دائماً ينظران لك تنتظره انتظاراً جميلاً باسماً .. و كان يأتى لها فى المرة السادسة التى أعيد فيها الأغنية على فترات متباعده .. كنت أعيد لها الأغنية حتى يأتى .. و دائماً يتركها و يرحل و هى مازالت تبتسم بهدوئها و قد غلف عيناها بريق لا يمطر أبداً .. كأنها تحمل معها دائماً رياحاً شتائية جافة .. تنثرها حولها أينما وجدت

أحببتها و أحببت طريقتها فى لف غطاء رأسها .. شعرها الأمامى الهارب على جبينها .. جسدها الذى يفور رغماً عنها بالحياة .. كأنه طفلها الشقى الذى تتبرأ من شقاوته أمام العالم .. يشع دفئاً لا تعى ملامحه.. فقط تشعره .. صوتها الباسم و المرتجف مابين طفلة شقية و أمرأة وقور .. حنانها الذى كانت تتركه على الطاولة التى تعلم أنها سترجع لها فى الشهر القادم .

كان يلفت انتباهى أن ليديها سحر خاص و هى تحاوط الفنجان .. يمنحها الفنجان دفئه شتاءً .. و هى تمنحه دفئها صيفاً .. كأنهما على اتفاق غير معلن .. كانت تستنشق البخار الذى ينبعث منه ببطء شديد و هى مغمضة العينين إذا أضعه أمامها .. تبتسم للرائحة كأنها تبث بها روحاً ما .. ثم ترشف بهدوء و استمتاع مع اللحن

جعلتنى أنتظرها و أنتظر مواعيدها النادرة مع رجلها الغريب .. فى آخر العام ظلت تأتى كثيراً وحدها .. تنتظر بلهفة مهزومة .. ثم تترك الطاولة و هى شاردة عن اللحن

بعد أن أنقطعت عن المقهى لفترة طويلة فكرت كثيراً أسمع تلك الغنوة وحدى فى المواعيد التى كانت تأتى هى بها .. و لكننى وجدت أن المكان كله كان يحمل تلك الوحشة .. فوحشة المكان لأمرأة تحب ليست هينة على أى حال .. لذا فكرت أخيراً أن أغير مكان الطاولة .. و لون الجدار من خلفها .. و مواعيد ذلك اللحن الذى يهدهد ضخب المكان

7 comments:

غادة الكاميليا said...
This comment has been removed by the author.
غادة الكاميليا said...

كنا حبيسات البحر والميناء الصيفي على حواف الشتاء يعلن الجوع العشقى مغادرته لنا عن غير رجعه فيتغير المكان كي لا يستوحشه القادمون من أعلى موجات الحب
كهذا عهدنا بالوقت
.
.
.
حلو أوى الكافيه ده ممكن فنجان قهوة مظبوط

تــسنيـم said...

رائع بوست رائع


وإن تمنيت أن تشريكينا معك في أغنيتها المفضلة

الوردة السوداء said...

تانى؟؟

semsem said...

كم تتسع مساحات الارض حينما تبحث امراة عن حب ضائع

كم تطول اللحظات حين تنتظر صوتا لم يصنعه سوى خيالك حين ترقب فجرا لم يشرق سوى فى احلامك

عنتر بن غلبان said...

فيروزهي صوت الحب بكل معانيه
والانتظار يليق بالحب وبالشتاء وبصوت فيروز
ملء العشق والانتظار ستظل فتاتك تلك تنتظر


بوركت

علوة said...

أنا سعيد فعلا إني عرفت طريق المدونة الجميلة دي
على فكرة انا مش بجامل بالعكس انا دايما بحدف طوب في النقد
لغة جميلة جدا واستمتاع بجمال اللغة العربية التي نفتقدها بشدة
خيال جميل لا أعلم هل أخطئ إن وصفته بالسينمائي ؟
أرجو أن تقبليني واحدا من رواد المقهى فأنا أعشق فيروز والقهوة وأحببت لغتك
عن حق